ابن ميثم البحراني
189
شرح نهج البلاغة
منها : آثَرُوا عَاجِلًا وأَخَّرُوا آجِلًا - وتَرَكُوا صَافِياً وشَرِبُوا آجِناً - كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى فَاسِقِهِمْ وقَدْ صَحِبَ الْمُنْكَرَ فَأَلِفَهُ - وبَسِئَ بِهِ ووَافَقَهُ حَتَّى شَابَتْ عَلَيْهِ مَفَارِقُهُ - وصُبِغَتْ بِهِ خَلَائِقُهُ - ثُمَّ أَقْبَلَ مُزْبِداً كَالتَّيَّارِ لَا يُبَالِي مَا غَرَّقَ - أَوْ كَوَقْعِ النَّارِ فِي الْهَشِيمِ لَا يَحْفِلُ مَا حَرَّقَ - أَيْنَ الْعُقُولُ الْمُسْتَصْبِحَةُ بِمَصَابِيحِ الْهُدَى - والأَبْصَارُ اللَّامِحَةُ إِلَى مَنَارِ التَّقْوَى - أَيْنَ الْقُلُوبُ الَّتِي وُهِبَتْ لِلَّهِ وعُوقِدَتْ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ - ازْدَحَمُوا عَلَى الْحُطَامِ وتَشَاحُّوا عَلَى الْحَرَامِ - ورُفِعَ لَهُمْ عَلَمُ الْجَنَّةِ والنَّارِ - فَصَرَفُوا عَنِ الْجَنَّةِ وُجُوهَهُمْ - وأَقْبَلُوا إِلَى النَّارِ بِأَعْمَالِهِمْ - ودَعَاهُمْ رَبُّهُمْ فَنَفَرُوا ووَلَّوْا - ودَعَاهُمُ الشَّيْطَانُ فَاسْتَجَابُوا وأَقْبَلُوا أقول : بسئ به : آلفه واستأنس به . واعلم أنّ ضمير الجمع في آثروا وأخّروا وما بعدهما ضمائر مهملة يصدق إطلاقها على الجماعة وإن كان المعنيّ بها بعضهم ، وهذا الكلام يصدق على من تخلَّف من الناس إلى زمانه ممّن هو غير مرضيّ الطريقة وإن كان معدودا من الصحابة بالظاهر كالمغيرة بن شعبة وعمرو بن العاص ومروان بن الحكم ومعاوية ونحوهم من أُمراء بنى أُميّة ممّن آثر عاجل الدنيا وثاور إليه وأخّر آجل ثواب الأخرى فنبذه وراء ظهره وترك ما وعد به من تلك اللذّات الصافية عن كدورات الدنيا والعلايق البدنيّة إلى اللذّات الوهميّة الآجنة بشوب الأعراض والأمراض والتغيّر والزوال ، واستعار لفظ الآجن للذّات الدنيا ملاحظة لتشبيهها بالماء الَّذي لا يسوغ شربه لتغيّر طعمه ، ورشّح بذكر الشوب . وقوله : كأنّي أنظر إلى فاسقهم . يحتمل أن يريد فاسقا معيّنا كعبد الملك بن مروان ويكون الضمير عائدا